القرطبي
105
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أحدهما : أحفوا ، وهو لفظ محتمل التأويل . والثاني - قص الشارب ، وهو مفسر ، والمفسر يقضي على المجمل ، وهو عمل أهل المدينة ، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب . روى الترمذي عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من شاربه ويقول : ( إن إبراهيم خليل الرحمن كان يفعله ) . قال : هذا حديث حسن غريب . وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط ) . وفيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى ( 1 ) ) . والأعاجم يقصون لحاهم ، ويوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا ، وذلك عكس الجمال والنظافة . ذكر رزين عن نافع أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى الجلد ، ويأخذ هذين ، يعني ما بين الشارب واللحية . وفي البخاري : وكان ابن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القبضة إذا حج أو اعتمر . وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها . قال : هذا حديث غريب . الثانية عشرة - وأما الإبط فسنته النتف ، كما أن سنة العانة الحلق ، فلو عكس جاز لحصول النظافة ، والأول أولى ، لأنه المتيسر المعتاد . الثالثة عشرة - وفرق الشعر : تفريقه في المفرق ( 2 ) ، وفي صفته صلى الله عليه وسلم : إن انفرقت عقيصته ( 3 ) فرق ، يقال : فرقت الشعر أفرقه فرقا ، يقول : إن انفرق شعر رأسه فرقه في مفرقه ، فإن لم ينفرق تركه وفرة ( 4 ) واحدة . خرج النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره ، وكان المشركون يفرقون شعورهم ، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ ، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس . قال القاضي عياض : سدل الشعر إرساله ، والمراد به ها هنا عند العلماء إرساله على الجبين ، واتخاذه كالقصة ، والفرق في الشعر سنة ، لأنه الذي رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة
--> ( 1 ) إحفاء الشوارب : قص ما طال منها . وإعفاء اللحى : توفيرها . ( 2 ) المفرق : وسط الرأس . ( 3 ) العقيصة : الشعر المعقوص ، وهو نحو من المضفور . ( 4 ) الوفرة : الشعر المجتمع على الرأس .